لا أعرف اذا كانت ستهتم ام لا ، أو اذا كانت ضحيتى أم لا ..
ولكنى أهديها كما وعدتها الأجزاء القادمة من القصة التى بدأناها ، ويبدو أنى سأكملها وحدى !!
سأتحدث لاحقا عن ماهية القصة وما تدور حوله ، الا أن الآن ... هذا هو الجزء الجديد
صغيرتي
تعالت أصوات الجماهير الغفيرة التي تواجدت بكثافة داخل مدرجات استاد القاهرة الدولي ، وارتفعت الأعلام المصرية عاليا وهى ترفرف في سعادة بينما يلوح بها الكبار والصغار في أجواء ما قبل المباراة الهامة لنادى ( الأهلي المصري ) أمام نظيره ( النجم التونسي ) في نهائي بطولة إفريقيا ..
وبدا الأمر وكأنه مهرجان رائع حيث ازدانت المدرجات بألوان عدة ، وبدأت الجماهير في التأهب لبدء اللقاء حينما بدأ لاعبو الفريق المصري في النزول إلى أرض الملعب لتشتعل المدرجات هتافا وتشجيعا وزاد الصخب أكثر وأكثر ..
جلس ( أدهم ) في مدرجات الدرجة الثانية مستمتعا لأقصى درجة ، فهو عاشق لكرة القدم والنادي الاهلى تحديدا ، وعلى الرغم من أن اليوم هو أجازته الوحيدة طوال الأسبوع إلا أن آثر على نفسه البقاء في المنزل أو الاسترخاء ، وتوجه إلى الاستاد لكي يشجع فريقه ويمنى نفسه بالعودة مظفرا بكأس البطولة ..
ذهب وحيدا هذه المرة لأن معظم أصدقاءه كانوا خارج البلاد في هذا التوقيت من العام ، ولم يتوقف كثيرا عند هذه النقطة ، لأنه اعتبر أن كل من في الاستاد هم أصدقاؤه .. وحمل علم فريقه هو الآخر ملوحا به في هدوء ، وسرح قليلا في أركان الاستاد والإضاءة ومشهد غروب الشمس الرائع من هذا المكان المكشوف ، بينما شكلت الأعلام المرفوعة والجماهير المتحمسة لوحة رائعة شرع هو على الفور – كعادته – فى تسجيلها على الكاميرا الخاصة بهاتفه ..
كانت المباراة توشك على البدء ، وبدأ عزف السلام الوطني المصري ، و صوت الجماهير الجهوري يهز أركان الملعب ... ووقف ( أدهم ) منتشيا مرددا نشيد بلاده الوطني ، وهو يلف ببصره المكان سريعا ليلقى نظرة على "رابطة مشجعي فريقه" والتي تضم بعضا ممن يعرفهم من خيرة شباب مصر ... وانتهى النشيد الوطني ، وتعالت صيحات الجماهير والتي بدأت في الجلوس استعدادا لبدء المباراة .
وبينما هو يهم بالجلوس ، تسمر في مكانه ، فقد رآها !!
كانت تهم بالجلوس هي أيضا عندما لمحته من بعيد ، فأخذت تشير بيدها عاليا ممنية نفسها أن يراها هو الآخر .. وفكرت سريعا في أن تجرى من موقعها لتصل إليه في غمضة عين ، ولكنها لم تكن تدرى كيف تصل إليه وسط هذا الكم الغفير من الناس .. فأخذت تشير وتشير وكانت تهتف باسمه وكأنه سيستمع إليها وسط كل هذا الصخب .
" إنها هي !! " ... قالها محدثا نفسه !
لم يعلم أما يراه حقيقيا أم أن بعد المسافة صور إليه أنها هي " منى" ! .. وقف مرة أخرى وأشار إليها ، فوجدها تقفز أكثر مشيرة إليه وكأنها تأكدت أنه هو وأنه رآها .. تحرك " أدهم " سريعا ، فهو يعلم طريقه جيدا وسط المدرجات ، واتجه مباشرة نحو المكان الذي لمحها فيه ..
كانت المباراة قد بدأت بالفعل ، والجماهير تتابع بمنتهى الحماس ، وكم كان شاقا هو الوصول إلى مكانها ، إلا أنه استطاع الوصول إلى هناك وفوجئ بأن المقعد الذي ظن أنها تجلس فيه فارغا ، تعجب بشده فهل من المعقول ألا تكون هي ؟ أم هو مجرد خداع بصري ؟!
هم بالاستدارة لكي يعود إلى مكانه ، إلا أنه فوجئ بصوت رقيق للغاية كأنه يهمس .. " أدهم .. !!" ، نظر سريعا إلى مصدر الصوت ليجدها على يمينه تنظر إليه بخجل وسعادة لا يمكن أن تصفها الكلمات .. وافتر ثغرها الرقيق عن ابتسامة أضاءت وجهها الصغير الجميل وبدت في هذه الصورة كأنها ملاك غاية في الرقة .
" أأنت حقا ؟ ... سألها أدهم بحنان وهو يمد إليها يده
زاد خدها توردا من الخجل حين امتدت يدها هي الأخرى لتحيته ، وأمسكت بيده القوية وشعرت كأنها تملك الدنيا كلها بين يديها في هذه اللحظة .. " كيف حالك ؟ .. لم أتصور أبدا أنى سألقاك هنا وسط كل هذا الزحام !! "
أجابها هادئا .. " ولا أنا أيضا يا صغيرتي ، ولكنك لم تخبرينني بأنك ستكونين هنا في الاستاد .. كل ما أعرفه هو وجودك هنا في مصر !!"
أطرقت وجهها أرضا وبدا كأن حمرته تزداد إلى أقصى درجاتها ، وأجابت بصوت خفيض " علمت أنك ستكون هنا وستشاهد المباراة ، ووددت أن أخبرك بأني سأكون هنا أيضا ، ولكن لم أستطع .... "
ابتسم قائلا : " لا عليك صغيرتي ، فأجمل ما في الأمر الآن هو المصادفة .. أليس كذلك ؟ " ..
نظرت إليه مبتسمة .. ولم تجب
سألها محاولا تجاوز مفاجأة اللقاء : " هل أتيت وحدك هنا ؟ ... أين والدتك ؟ أهي معك ؟ " ..
أجابت سريعا ، وقد بدأت في التجاوب مع الأمر ، : " لا بل هي معي هنا .. ولكنها تجلس بعيدا بعض الشئ ، وأخبرتها أنى سأجلس مع أصدقائي هنا في رابطة المشجعين .."
رد سريعا : " إذن هيا لنجد مكانا مناسبا لنجلس فيه لكي نتابع اللقاء .. وضحك ضحكة قصيرة قائلا " ألم تأتى من أجل ذلك ؟ " ...
ضحكت بدورها ، وقالت : " بالتأكيد .. هيا بنا " ..
أدار عيناه في المكان سريعا ، ولمح مقعدين فارغين ، وكأنهما وضعا هناك من أجلهما خصيصا .. " هيا بنا هناك .. قالها أدهم وهو يجذبها برفق إلى حيث المكان الذي أشار إليه .. وغمرتها سعادة جمة وهى تسير إلى جواره ممسكة بيده ، وتمنت ألا يقودها فقط إلى المقاعد بل أن يكون هو قائد حياتها كلها في هذه اللحظة ..
جلسا بهدوء ، وشرعا في متابعة اللقاء سويا ...
نظر إليها " أدهم " وقال : " إذن ... متى ستغادرين القاهرة ؟ ...
" بعد غد إن شاء الله ... " ، أجابت بحزن واضح في نبرات صوتها
التفت "أدهم" قليلا نحوها ناظرا إلى عينيها ، وقال : " ولم الحزن ؟! ..... "
تحاشت النظر إلى عينيه قائلة : " كنت أتمنى أن أظل هنا وقتا أطول ، ولكنك تعلم أنه يجب على العودة إلى السعودية هذا العام أيضا .."
ابتسم بهدوء ، وقال : " هوني عليك ، فقط هذا العام ثم تعودين إلى مصر لتلتحقي بالجامعة ... ولو وددت تقضين باقي حياتك كلها هنا "
أجابت بسرعة : " أتمنى ذلك من كل قلبي ... "
... أدار " ادهم " عيناه في وجهها الرقيق ، متفحصا دقة ملامحها وبراءتها الواضحة ... ( منى ، هل تعلمين أنى حلمت بك بالأمس ؟! .. رأيتك ترتدين فستانا أبيضا رائعا ، تراقصين رجلا لم اتبين ملامحه جيدا .. وودت أن أكــ ... )
قطع حديثه مرغما لأنه وفجأة ، هاجت المدرجات بصوت هائل معلنة عن تسجيل النادى الأهلى لهدفه الاول فى اللقاء .. وانتفض كلاهما من مكانه وكأنهما يصحوان من حلما سيطر عليهما تماما حتى انهما نسيا تواجدهما بالاستاد ..
وحينما عاد الهدوء للمدرجات ، نظر اليها راغبا فى استكمال حديثه ، الا انه وجد سيدة وقور تشير اليها .. فوجدها تهم بالانصراف قائلة له : " أدهم ، هذه والدتى .. يجب على الذهاب ، أعتذر .... الى اللقاء " .. ونظرت اليه بابتسامة هادئة وغادرت المقعد سريعا ..
تابعها ببصره لبعض الوقت حتى غابت بين الجمهور الغفير الذى استمر فى الاهازيج والاحتفالات ، وفكر للحظة فى أن القدر لم يمهله استكمال حديثه .... فهل سيكمله !
عمرو عبيد 17/9/2008